الشيخ محمد رضا مهدوي كني

193

البداية في الأخلاق العملية

الكذب في مقام الضرورة . والشيء الوحيد الذين يختلفون فيه هو هل يجوز الكذب في مثل هذه الحالات بشكل مطلق وبلا قيد أو شرط ، أم يجوز بعد تعذّر التورية ؟ القول المشهور هو انه يجوز بعد تعذر التورية . أي إذا كان هناك مجال للتورية ، فلا يجوز الكذب ، إذ لا توجد مع هذا الافتراض ضرورة لقول الكذب ، أي لا يوجد في الحقيقة مجوز يسمح بمثل هذا العمل . والمرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري ورغم اعتقاده بأنّ الرأي المشهور هذا مقبول عقليا ، لكنه يقول إنه لم تلاحظ في جميع اخبار الاضطرار إشارة إلى هذا الشرط ولا دليل على لزوم رعايته ، لأنه لو كان مثل هذا الشرط لازما لذكر في مورد واحد على الأقل من موارد الاضطرار الكثيرة التي تجوز فيها التورية ، ولذلك من الممكن ان يكون الشارع المقدس قد ترك الميدان مفتوحا لتسهيل الأمر على عباده ولم يلزم برعاية التورية في مثل هذه الأمور « 1 » .

--> ( 1 ) المكاسب المحرمة . اعتقد انه لا بد من تجنب الكذب ما دام هناك مجال للتورية . ورغم انّ المرحوم الشيخ الأنصاري قال بأنه لم يجد دليلا على لزوم التورية ، إلّا ان بالامكان رؤية بعض الشواهد والإشارات من خلال دراسة مستفيضة لبعض الآيات والأحاديث ، والتي تؤيد القول المشهور القائل بلزوم رعاية التورية وترجيحها على الكذب . فحول الآيات التي ينسب البعض الكذب المصلحي على أساسها لإبراهيم ويوسف عليهما السّلام ، هناك أحاديث تنزه هذين النبيين العظيمين وتفسر ظاهر الآيات الواردة بهذا الشأن بالتورية . فحول الآية الكريمة . . . أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ( يوسف / 70 ) والتي هي عبارة خاطب بها مؤذّن يوسف اخوة يوسف ووصفهم بالسارقين ، قال الإمام الصادق ( ع ) انّ المقصود بالسرقة ، ليس سرقة صواع ملك مصر ، وانما سرقة يوسف من أبيه والقاؤه في غيابة الجب . فعبارة « انكم لسارقون » التي تدل على الحال بحسب الظاهر ، قد فسّرت بالتورية طبقا لهذا الحديث . ( راجع : تفسير العياشي ، ج 2 ، ص 185 ) . ونلاحظ ما يشبه هذا التأويل أو التورية حول الآية الكريمة : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( الأنبياء / 63 ) ، أي ان إبراهيم ( ع ) قد نسب تحطيم الأصنام الصغيرة للصنم الكبير ،